الشيخ محمد رشيد رضا

90

الوحي المحمدي

من قومه العرب الأميين ، ومن أهل الكتاب حتى إنه لم يجعل له أدنى عناية بما يتفاخر به قومه من فصاحة اللسان ، وبلاغة البيان ، من شعر وخطابة ، ومفاخرة ومنافرة « 1 » ، إذ كانوا يؤمون أسواق موسم الحج وأشهرها عكاظ « 2 » من جميع النواحي لإظهار بلاغتهم وبراعتهم ، فكان ذلك أعظم الأسباب لارتقاء لغتهم ، واتساع معارفهم ، وكثرة الحكمة في شعرهم ، فكان من الغريب أن يزهد محمد صلّى اللّه عليه وسلم في مشاركتهم فيه بنفسه وفي روايته لما عساه يسمعه منه ، وقد سمع بعد النبوة زهاء مائة قافية من شعر أمية بن الصلت فقال : « إن كاد ليسلم » وقال : « آمن شعره وكفر قلبه » ، وقال : « إنّ من البيان لسحرا وإن من الشعر حكما » . رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس ، وأما قوله « إن من البيان لسحرا » فقد رواه مالك وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر قلنا : إن اللّه تعالى جعل استعداد محمّد صلّى اللّه عليه وسلم للنبوة والرسالة فطريا وإلهاميا لم يكن فيه شئ من كسبه بعلم ولا عمل لساني ولا نفسي ، وأنه لم يرو عنه أنه كان يرجوها . . كما روى عن أمية ابن أبي الصلت . بل أخبر اللّه عنه أنه لم يكن يرجوها كما تقدّم ولكن روى عن خديجة رضى اللّه عنها أنها لما سمعت من غلامها ميسرة أخبار أمانته وفضائله وكراماته ، وما قاله بحيرا الراهب فيه . تعلّق أملها بأن يكون هو النبي الذي يتحدّثون عنه ، ولكن هذه الروايات لا يصل شئ منها إلى درجة المسند الصحيح كحديث بدء الوحي الذي أوردناه آنفا ، فإن قيل : إنه يقويها حلفها باللّه أنّ اللّه تعالى لا يخزيه أبدا . قلنا : إنها عللت ذلك بما ذكرته من فضائله ورأت أنها في حادة إلى استفتاء ابن عمها ورقة في شأنه . وأما اختلاؤه صلّى اللّه عليه وسلم وتعبده في الغار عام الوحي فلا شك في أنه كان عملا كسبيا مقويا لذلك الاستعداد السلبي من العزلة وعدم مشاركة المشركين في شئ من عباداتهم ولا عاداتهم . ولكنه لم يكن يقصد به الاستعداد للنبوّة . لأنه لو كان لأجلها لأعتقد حين رأى

--> ( 1 ) النافرة : المحاكاة والمفاخرة في الأحساب والأنساب . ( 2 ) كان للعرب في عهد الجاهلية أسواق ومجامع في الحجاز يقصدونها في موسم الحج للبيع والشراء ، ولإظهار مناقبهم ومجد آبائهم وقبائلهم ، أولها عكاظ بالضم ( بوزن غراب ) ، وهي من عمل الطائف على طريق اليمن . وقال أبو عبيد : هي صحراء مستوية لا علم ( بفتحتين ) بها ولا جبل ، وهي بين نجد والطائف ، وكان يقام فيها السوق نحوا من نصف شهر في ذي القعدة ، ثم يأتون سوق ذي مجنة ( بكسر الميم وتشديد النون ) وهي دون عكاظ إلى مكة ، فيقيمون فيها إلى آخر ذي القعدة ، ثم يأتون سوق ذي المجاز وهي أقرب إلى مكة فيقيمون فيها إلى يوم التروية ( وهو الذي قبل عرفة الذي هو تاسع ذي الحجة ) ، ومنها يصدرون إلى منى فعرفات .